"الكويرز" بألف خير

في خضم الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2026، نشرت منصة "درج" مقالًا بعنوان "اليسار الكويري الضائع بين الجنسانية ومحور المقاومة". باختصار، يهاجم المقال الأشخاص الكويريين المناصرين للمقاومة المسلحة المناهضة للاستعمار، انطلاقًا من فرضية أن هذا الاصطفاف هو بمثابة حفر الكويري لقبره بيده. وتقوم حجة المقال على أن المقاومة المسلحة تنظر إلى الكويرية بوصفها رجسًا وانحرافًا أخلاقيًا يستوجب العقاب. وبذلك يصبح دعمها شكلًا من أشكال محو الذات، ويجعل الكويريين شركاء في اضطهادهم هم أنفسهم، عبر "تأجيل" أو تهميش تحرّرهم.  في جوهره، ليس المقال سوى توبيخ للكويريين، ووضعهم أمام خيارين :إمّا أن تكون معنا، وبالتالي مع نفسك، أو أن تكون ضدّنا، وبالتالي ضدّ نفسك أيضًا. يعني كأننا بالثانوية. وكانت المنصة نفسها قد نشرت مقالًا مشابهًا عقب الحرب الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان عام 2024، مع استبدال كلمة "كويريين" بـ"نسويات"، ثم إعادة تدوير الحجة الليبرالية نفسها. ولم يرق لنا أيٌّ من المقالين.

عند القراءة، خطرت لنا عشرات الردود والحجج المضادة. فالمحتوى يبدو معدًّا للاستفزاز، خصوصًا كونه يتلطّى خلف خطاب "كويري". لكن، ولحسن حظنا، لم نضطرّ الى بذل هذا الجهد. فسرعان ما رأينا التعليقات على منشور المقال على الانستغرام، وما إن بدأنا بتصفحّها حتى تلاشت ملامح العبوس، وتبسّمنا بسخرية. أما الردود التي كانت تعجّ بها رؤوسنا... فقد خفتت، بعدما سبقنا إليها أصحاب التعليقات. "الكويرز" بألف خير، والله. حتى أن درجة مستوى الوقاحة في المقال، دفع بمنصة Beirut.com الى التوقف موّقتًا عن أداء مهمتها المعتادة – أي إخبارنا عن مواقع أحدث المقاهي ذات أسرع شبكات الواي-فاي في بيروت – لتذكير منصة "الجندر" و"الووك" هذه بأن "الأشخاص الكويريين في لبنان، كما في سائر الأماكن الواقعة تحت الاحتلال ليسوا فئة تُدار، أو متغيّرًا في معادلات سياسية يضعها الآخرون. وأن هذا يستحق أكثر من إطارٍ يضع هويتهم في مواجهة واقعهم السياسي." ولذلك، ورغم عدم وجود حاجة فعلية لكتابة ردّ تفنيدي إضافي، شعرنا أن هذه التعليقات اللاذعة والغنية، وما حملته من حجج مضادة، تستحق أن تُحفَظ كما هي، بكل ما فيها. لذا، سنصطحبكم في جولة بين مختارات منها، بوصفها نماذج حيّة للخطاب الكويري المناهض للاستعمار والإمبريالية.

بدايةً، يغيب عن المقال الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل في منطقتنا، بينما يتمعّن بوصف الضرر الذي يتسبب به "محور المقاومة" عبر مواقفه المعادية للكويرية، وأعمال العنف التي ترتكبها ميليشيات بحق الأشخاص الكويريين. هذا التغييب الممنهج للحرب التي نعيشها يختزل الأفراد والمجتمعات في هويات أحادية البعد، قابلة للاستخدام كرموز أو أوراق للمزايدة: كيف يمكن لشخصٍ كوير أن يدعم جماعةً تقاتل من أجل أرضها، بينما لا تتضمن رؤيتها للتحرر الكويرية؟ وبذلك، يعيد هذا "المنطق" إنتاج سرديات غربية قائمة على الهوية، تراقب وتُملي على الأفراد التي تحاول العيش تحت وطأة العنف الإسرائيلي-الأميركي، كيف ينبغي لها أن تفكّر، وأن تعيش، وأن تقاوم، وأن تحلم.

تعليق من queerdeepstatecy@
تعليق من ritaammar6@

وليست هذه السياسات غريبةً عن حركاتنا النسوية والكويرية. فمنذ زمن طويل، دأب الليبراليون على إعادة تغليف نضالاتنا في عروضٍ مختصرة وسهلة الاستهلاك، تُقدَّم للمانحين الغربيين والجمهور الأبيض. وظلّوا مواظبين على تجريد مطالبنا من طابعها السياسي، وتمييعها على حساب مشاريع تحرّرية أوسع. فمنطقتنا تعجّ بخطاباتٍ حول حقوق الكوير تبدو غريبةً عنّا؛ فلا تتحدث إلينا، ولا تعكس نضالاتنا أو واقع عيشنا. وهذه الغرابة ناتجة عن اختزال الكويريين في كتلة متجانسة، وتبييض نضالاتهم، والانشغال المفرط بالظهور والتمثيل، وبعروض "جندر بريد بيرسون" (genderbread person) التقديمية، وبالاستهلاكية المفرطة الموشّحة بألوان قوس قزح، وبوسم الأماكن والمؤسّسات والمهنيين بأنهم «أصدقاء لمجتمع الميم-عين». في المقابل، يبدأ تصوّرنا للتحرّر بالدفاع عن أرضنا وبحماية أهلنا وصونهم. 

 

تعليق من salamesabine@


 أما المقال، وبسبب عجزه عن تصوّر أن الكويريين قد يكونون أكثر من مجرد "منحرفين جنسيًا" منبوذين، وأنهم قد يشعرون بالانتماء إلى بيوتهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم وأرضهم ومحيطهم الاجتماعي، فيزعم – على نحو يثير السخرية – أن التضامن الذي يبديه الكويريون مع المقاومة المسلحة هو "هوية سياسية" يتبنّاها من يلهثون خلف الصوابية السياسية. وهذا التوصيف، فضلًا عن كونه استخفافًا فادحًا، يكشف منظومة القيم التي ترتكز عليها هذه الحجة برمّتها. فلا أحد هنا يسعى ليبدو "ووك". نحن، بكل بساطة، نحاول النجاة. وتزداد قسوة هذا الطرح حين نتذكّر حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن عداء الكويريين والعابرين جندريًا، والعنف والتمييز ضدهم، موجود بالفعل في مجتمعاتنا. لذلك، فإن محاولة تعميق الهوّة بين الكويريين والمجتمعات التي ننتمي إليها هي بالغة الانحطاط، خصوصًا أننا نكافح أصلًا للبقاء في مواجهة أشكال متعددة من العنف.  فهذا الخطاب يتجاهل واقع العيش في ظل حربٍ مستمرة، أو بالأحرى حروبٍ مستمرة، والحق في العيش في عالم خالٍ من عنف الاستعمار الاستيطاني. كما أنه يتجاهل التاريخ المتعدّد والعلاقات المتغيّرة التي ربطت الناس  بالأحزاب السياسية وحركات المقاومة المسلحة.

تعليق من abedkhabbaz@
تعليق من zee_rulez@
تعليق من shathashahin1@

وبعد، يبني المقال تصوّرًا للجسد الكويري بوصفه كيانًا منفصلًا عن شروط البقاء، متجاهلًا آلة القتل الصهيونية التي تحسم ما إذا كان أي جسد سيبقى على قيد الحياة أصلًا. كما يلمّح إلى وجود فرق جوهري بين نجاة الكويريين ونجاة غير الكويريين، وكأن لهذا التمييز أي معنى أصلًا.

تعليق من hasanofamman@
تعليق من frootnextdoor@
تعليق من frootnextdoor@

يحاول المقال فصل النضال الكويري عن واقعنا المعاش تحت جحيم الاستعمار، ويطالب الكويريين بأن يضعوا أنفسهم خارج مشروع النجاة الجماعية، إلا إذا كان كل مقاتل مقاوم يجسّد سياسة متكاملة للتحرر الكويري. أمّا الإصرار على أنه ينبغي لنا القبول بقتلنا لأن المقاتلين لا يلا يدرجون التحرّر الكويري ضمن قضيتهم فهو بحدّ ذاته شكل من أشكال نزع الإنسانية.  وهذا يعكس إلى حدّ كبير المنطق الذي تروّجه إسرائيل ضد الكويريين الفلسطينيين: مجتمعك سيقتلك، وحماس سترجمك، وبالتالي، لا خيار أمامك سوى الاندماج في "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". هذه هي المغالطة: إما أن تعود إلى "قومك" وتموت، أو تخضع للدولة الاستعمارية التي تدّعي أنها تنقذك، والتي، كما هو متوقّع، ستواصل قصفك وتجويعك وسجنك وقتلك أنت ومجتمعك.

تعليق من fallahipunk@

لا يمكن فصل التحرر الكويري عن وحشية العنف الاستعماري الذي يشكّل حياتنا في لبنان وفلسطين. نرفض تحررًا كويريًا يقوم على الخيانة أو التقرّب من النخب الغربية، وعلى السياسات نفسها التي تطلب منا التخلي عن عائلاتنا إذا لم تتمكّن فورًا من تقبّل ذاتٍ كويرية "أصيلة". ونرفض تحررًا كويريًا يختزل تعقيداتنا في ثنائية الهروب أو الخضوع، ويَعِدُنا بالخلاص عبر الحرية الفردية الغربية. نرفض تحررًا كويريًا يتنصّل من النضال من أجل بقاء شعوبنا وازدهارها، ومن أجل قرانا في جنوب لبنان، وأشجارنا، وبحرنا، وتاريخنا، وأشقائنا وشقيقاتنا في فلسطين وإيران والعراق والسودان. وغنيّ عن القول إننا سنضيف هذا المقال إلى قراءاتنا المستقبلية في خلواتنا حول سياسات الجنسانية. فليس كل يومٍ يصوغ أحدٌ، بهذه الدقة، المنطق الذي نناضل ضده.