لماذا يشعرني فيلم "يلّا عقبالكن" بالاشمئزاز

كنّا نأمل ان يضيع هذا الفيلم بين قائمة الأفلام المنسيّة، ولكن نقدم الشكر لنتفلكس كونه أعاد إحيائه ولذلك يجب ان نقول بعض الكلمات عن "يلّا عقبالكن". بالنسبة إلى فيلم يدّعي انتقاد الوضع الراهن للغيريّة القسرية* ويحاول ان يتقلّد خطاب "قوة الفتيات"، وجدت الكثير من العناصر الناقصة والمتناقضة في "يلّا عقبالكن" (الملقّب عازبة، متزوّجة، مطلّقة). أريد ان ألفت الانتباه الى أنّه، مثل معظم الصناعات، عالم صناعة الأفلام قاسي على النّساء الممثّلات والمخرجات والمنتجات؛ إلى تلك النّساء (مثل الممثّلة والكاتبة والمنتجة نبال عرقجي) اللواتي تنجحن والأخريات اللّواتي تصارعن من أجل تمثيل النّساء في عالم صناعة الأفلام، لكنَّ أجلَّ احترامي وتشجيعي.

بعد قول ذلك، ومع استمرار دعمي للفنّانات، من المهم ان تستطيع النساء الأخريات من إدلاء رأيهن بهذا الفن، سواء شعرن أن هذا الفن يمثّلهن أم لا، وهنا اريد ان أقول أنّ "يلّا عقبالكن" أزعجني وضايقني أنا.

مساعي باتجاه حوار العصر الجديد التقدّمي

التظاهر بوجود قوّة الفتيات، مع أنّه لا يوجد قوّة للفتاة على الإطلاق. صورة مطابقة عن الخلل الموجود في لبنان بالتحديد؛ مظاهر مجتمع ليبرالي، عرض للاستهلاكيّة، ونفوذ إلى مصادر مالية تجعل النساء تبدو "أكثر تحرّراً" من البلدان المجاورة، في حين أنّ الوضع ليس كذلك ابداً.

نظرة على الحياة الرّاقية في بيروت، حيث تستطيع فتيات الطبقة الوسطى والبرجوازيّة قيادة السيّارات الفاخرة والذّهاب الى الأماكن الخاصة والحصريّة والغالية فقط. حتّى الاهتمام بالفن، واقتناء وبيع الفن، هو فقط لإبراز المكانة الاجتماعيّة.

عنصريّة مبطّنة. يوجد استعراض للعنصريّة ولكنّها تُسخّف وتُعامل كمزحة. القول أنّه على صديقك المصري العمل في محطة بنزين، أو اقتراح عامل سوداني، كنكتة، كزوج محتمل للمرأة اليائسة في بداية الثلاثينات، أي "العانس". بينما يسعى النّص إلى اعتبار تلك المقولات عنصرية تلقائياً، ينتهي الحال بتمريرها كمقاطع مضحكة. الهدف من غض النظر عن هذه النكت العنصرية هو السماح بالشعور بأن الضحك على العنصريّة المبطنة هو أمر عادي.

لقد وجدت المشهد الذي تذهب فيه الشخصيّة الرئيسية (ياسمينا) الى القاهرة لرؤية حبيبها المصري وينتهي بها الحال، عكس توقعهاتها، جالسة مع زوجته، تسألها كيف تقبل معاملته تلك لها وقح للغاية. إذاً، امرأة لبنانيّة راقية تلوم المرأة المصريّة، التي تظهر بأنها تعاني بسبب اضطرارها الاهتمام بالعديد من الأطفال، لقبولها خيانة زوجها لها، وتخبرها أنّها ليست مضطرّة تحمل ذلك. والاسوأ هو أنّ النص يدفع الامرأة المصريّة الى قول "مجتمعنا هو كذلك"؛ النّفاق والفوقيّة هما ما جعلا هذه الخيانة غير مقبولة بالنسبة لمعايير المرأة اللبنانية، بينما صديقتها أيضاً تواعد رجلاً متزوّجاً في بيروت.

يجدر الذكر والثناء على أنّ الفيلم ينتقد، بشكل خاطف، الأمومة القسرية، ويصرّح أنّ الأمومة ليست حلم كل امرأة او فتاة.

حول التعييب الجسدي

يوجد الكثير من التعييب الجسدي – موجّه باتجاه الرجال والنساء. تعييب أي أحد ليس نحيفاً ولائق بدنيّاً، او نامي العضلات وكبير العضو. من الرجل الذّي قذف مبكّراً وطرد من المنزل، إلى القول ان أحد الرّجال كان لديه عضواً صغيراً فلم يكن النوم معه يستحق العناء. بالتأكيد نعرف ان اللّذة الجنسيّة ليست مرتبطة بحجم العضو الذكري، وإلّا كان كل من مارس الجنس مع رجل ذو عضواً كبيراً دائماً مشبع جنسيّاً، وكل من مارس الجنس مع رجل ذو عضو صغير غير مشبع جنسيّاً- مع ذلك نعلم أنّ اللذة الجنسيّة لا تزيد أضعافاً مع زيادة حجم العضو الذكري.

كنت لتفهمت تعييب أجسام الرّجال إذا كان نوعاً من الإنتقام من كل التعييب الذي تواجهه النّساء كتتعييب السمنة أو معايير الجمال المستحيلة التي تفرض عليهن، إلّا أنّ الحالة لم تكن كذلك في الفيلم على الإطلاق. النّساء اللّواتي حصلت على أي نوع من عمليّات التجميل تم السخرية منهن، و"الطبيعيّات" كنّ يتمتّعن بقوام رشيق وأجسام يعتبرها المجتمع مثاليّة.

حول نظرة الرجال المحدقة** لمحادثات النّساء

لنضع هذا الفيلم تحت اختبار بيكدل***

هل يوجد شخصيّات نساء؟
نعم.
هل يوجد مشاهد يتحدّثن بها النساء دون وجود رجال؟
نعم.
هل تحدّثن مع بعضهنّ عن أي شيء غير الرّجال؟
أبداً.

لا تخبروني انّكم تعتقدون انّه من المستحيل للنّساء التّحدّث عن أي شيء غير الرّجال. ماذا عن إصابة احدى الشّخصيّات بالسّرطان؟ بالكاد استدعى ذلك حديثاً واحداً. لم تواجه أيّاً منهنّ مشاكل في العمل. لم تواجه أيّ منهنّ مشاكل مع أصدقائها او افراد عائلتها لا تتعلّق بالرّجال. حتّى الإجهاض تمحور أكثر حول الإنفصال عن الرجل وليس حول الإجهاض بحد ذاته! هل من الطبيعي لتلك النّساء، اللواتي تتمتّعن بحيوات اجتماعيّة غنيّة وتعملن وتعشن بشكل نوعاً ما مستقل، ألّا تجدن أي شيء للتحدّث عنه غير ممارسة الجنس، المواعدة، الإنفصال، إيجاد شخص جديد، والزواج. لا أعرف عنكم ولكن هذا الشيء أضجرني حتى الموت. سررت حين تدخّلت احدى الشخصيّات بخطاب "أعاني من السرطان" لتقطع التحليل النفسي المبسّط عن سبب عدم قدرة أيً منهن المحافظة على رجل! نعم، كان بهذا السّوء.

عن المساحات العامّة والخاصّة

صُوٍرت العديد من المشاهد الجميلة لبيروت، لقطات رائعة للكورنيش، للأوتوسترادات، للباعة في الشارع، التنوّع بين النّاس، الشواطئ العامّة القليلة التي يتم تلويثها وتُسرق منّا. وبالرغم من كل هذه المشاهد الجميلة عن بيروت، كانت كل الحوارات تدور في مساحات خاصّة. خاصّة للغاية. أماكن الرياضة، زيتونة باي، محلّات تسوّق، مطاعم فاخرة، مجمّعات تجاريّة، سيّارات (ميني كوبر)، صفوف يوغا وبيلاتيز. وكأن بيروت موجودة فقط في المساحات الخاصة. بالكاد تمشي الشخصيّات في الشوارع العامّة، والسيناريو الوحيد الذي يحتوي مساحة عامّة كان عن التحرّش في الشوارع العامّة.

عن صرف النظر والاستخفاف بوقت النّساء وأفكارهن

كيف لفيلم يدّعي قوّة الفتيات كثيمته أن يتغاضى ويسمح للعديد من هراء مظاهر الرجولية، لا أعلم حقّاً. الإيهام بقوّة النساء عندما تقوم الشخصيّة الرئيسيّة بملاقاة صديقها المصري في المطار وتقترح له ان يذهبوا معاً بشكل علني إلى حفل زفاف صديقه كزوجين، او كخطيبين إذا اضطرّا، ويرد عليها بانفعال أن عليهم إبقاء علاقتهم سرّاً حالياً وعدم التحدّث عنها. السرعة التي تتجاهل بها ما كانت قد اقترحته وبعدها تدعوه وتخبره، خذ سيارتي وقدها. أو عندما تكون هذه الامرأة نفسها على متن طائرة تقرأ كتاباً، ويقوم الرّاكب المجاور بعرض رجولته "بشكل فاتن" عبر مقاطعتها عن الكتاب الذي تقرأه (كتاب عن عدم الثقة بالرجال، لا سمح الله ان يكون عن أي موضوع آخر) ويقول لها أنّه عليها ملاقاته. أداء الانوثة الصريح الذي تقوم به، والسرعة التي تتجاهل بها الكتاب الذي نزع من يديها، أمر رائع. يمكنني ان أكمل – المشهد حيث تدخل الزوجة المخدوعة الى المحل الذي تعمل به خليلة زوجها وتدعوها بالعاهرة حوالي ثلاث مرّات، ثم عندما تعود الخليلة للشجار مع حبيبها وتقول ان علاقتهما انتهت، يقوم بإظهار تذكرتي سفر لها إلى مدينة البندقيّة الأسبوع المقبل، و هكذا – سعادة ونسيان فوري. ألا تحتاجين الى تأشيرة دخول؟ هذا النوع من العفوية غير ممكن مع الجوازات اللبنانيّة. إسطنبول ممكن، لكن البندقيّة!؟

هذا الخطاب الاختزالي الذي يقول أنّ النساء يردن فقط الزواج والجنس، حتّى تلك التي تكرر انها لا تهتم بالزواج تقوم بالتقدّم بالزواج لرجل لا تعرف أنّه متزوج، ويتم رفضها. حتّى الطبيبة البارعة والناجحة تصيبها نوبة غضب في الشارع بسبب حاجتها الملحة للحصول على رجل. والرجال لا يريدون إلا الجنس. نشكر الله أنّه لم يوجد أي مقطع عفوي عن "إعادة تجميل" احدى الشخصيات لإزالة كل المشاكل، لما كنت استطعت تحمّل ذلك بعد. يسعى هذا الفيلم الى إظهار النّساء بشكل مختلف، الّا انّه يعود ويرمي علينا نفس الصور النمطيّة.

عن الاجهاضات الاجباريّة او المنفذة بشكل خاطئ

هنا يوجد المزيد من حرق أحداث الفيلم لأولئك الذين لم يشاهدوه. الشخصيّة التي تواعد الرجل اللبناني المتزوّج تحمل وتسعد كثيراً معتقدة انّه وقع في شركها، بهذاء، تنظر الى أداة فحص الحمل ويمكنكم ان ترو أنّها تنظر الى طفل وليس عصاة بلاستيكيّة مضرّجة بالبول. للأسف، تجبر على الإجهاض (للأسف لأن ليس على أي امرأة ان تضطر ان تنهي او تحتفظ بحمل رغماً عن مشيئتها)، ويحصل هذا الإجهاض في نفس الوقت الذي كانت تقوم به صديقتها بالعلاج الكيميائي، ولكنه ليس بنفس حدّة الدراما كسرطان الثدي. وهنا ليس مفهوماّ إذا كانت تنهار بسبب الإجهاض او الإنفصال.

لكن الأهم من كلّ ذلك، لا يحدث الإجهاض كما تمّ تصويره. إنّه من التهوّر والإهمال الإشارة الى ان حبّتين في الفم واثنين في المهبل (وفي حوض مليء بالمياه للتأثير الدرامي) يمكنهم احداث اجهاض كامل وآمن. عند إستعمال سايتوتك، يجب الحصول على ١٢ حبّة، وضع ٤ تحت اللسان، تركها للذوبان وبعد ٣ ساعات أخذ ٤ حبّات أخرى تحت اللسان، والتكرار مرّة ثالثة بعد ثلاث ساعات أخرى. يمكنكم قراءة إرشادات منظمة الصحة العالميّة، أنا لا اخترع تلك المعلومات.

-

ينتهي الفيلم بحصول الجميع على رجل، باستثناء المرأة التي واعدت الرجل المتزوّج وقامت بالحصول على إجهاض – كحكاية تحذيريّة لكل الفتيات المشاكسات. ولإضافة الطين بلّة، تقوم الشخصيّة الرئيسيّة بالنظر الى الكاميرا وتقول ماذا تنتظرين، اذهبي وجدي لنفسك رجلاً. تصف الرجل كحل لكلّ المشاكل، مما يتعارض مع الفكرة الأساسيّة للفيلم التي تقول بأن المشاكل كلّها يسببها الرجال. يمكن أن أعتذر من حرق أحداث الفيلم للذين لم يشاهدوه، ولكن من الصعب حرق إعادة إنتاج الأفكار المبتذلة اليوميّة، التمييز الجندري، التمييز الطبقي، والتمييز العنصري. صدقوني، أنتم تعرفون هذا الفيلم من قبل.

 

بعض المفاهيم:

* الغيريّة القسرية: "الغيرية القسرية هو مصطلح صاغته ادريان ريتش، في مقال "الغيرية القسريّة والوجود المثلي" (١٩٨٠). الغيرية القسرية هي هيمنة العلاقات الغيرية بالإضافة الى التوقعات المجتمعية أنّ الغيرية هي القاعدة وكل الميول الجنسيّة الأخرى هي منحرفة.

** نظرة تحديق الرجل: نظريّة نظرة تحديق الرجل، ببساطة، هي عندما يتم النظر إلى النساء في الاعلام عبر عيون الرجل الغيري، وعندما تصوّر النساء ككائنات خامدة موجودة من أجل رغبة الرجل.

*** إختبار بيكدل: هي طريقة لتقييم سواء فيلم أوغيره من اعمال الخيال يصوّر النساء بطريقة تتسم بالتمييز الجندري أو تعيد إنتاج الصور النمطيّة. لإجتياز اختبار بيكدل يجب ان يتضمن العمل امرأتين على الأقل، ويجب ان تتحدّث هاتان الامرأتين مع بعضهن البعض، ويجب ان يتناول حديثهما موضوع آخر غير الرّجال.