يوميات لاجىء كويري

لم أكتب على الصفحة مؤخرًا، فأنا أعمل حالياً في المطاعم وهذا يستهلك الكثير من الطاقة. أنا أكتب هذا الآن وجلد يدي يحرقني. لقد فقدت الإحساس في يديّ بعض الشيء فلا أشعر بالأشياء كما يجب عندما ألمسها. لقد جربت كريمات مختلفة ولكن يبدو أن كل ما تحتاجهما يداي هو الراحة والعناية لاستعادة الإحساس. ليس هذا هو السبب لكتابتي على الصفحة اليوم. أريد أن أكتب عمّا حدث يوم الخميس.

لقد كان يومًا مليئًا بمزيج من السعادة والحزن والأحاسيس المختلفة، الواحد تلو الآخر. أيقظني اتصال على الهاتف أجبت عليه مع عين مغلقة والأخرى نصف مفتوحة. أتى الاتصال من العيادة الجراحية. لقد حجزوا لي موعداً للعمليّة، أخيراً. شعرت بالسعادة، لكن سعادة لا نكهة لها. أشعر وكأنني قُتلت قتلاً بطيئاً وأنا أنتظر هذا اليوم. تاقت نفسي إلى هذا اليوم منذ وقت طويل وقد بذلت جهدي لأبقي نفسي على قيد الحياة طوال هذه الفترة. عشر سنوات. مرّت عشر سنوات. جسدي مرهق. خلال هذه السنة شعرت بألم حاد في صدري وظهري وصعب عليّ التنفس أحياناً. أﻋﺗﻘد أن ھذه ﻧﻘطﺔ مهمة يجب أن ﯾأخذها الأطباء بعين الإعتبار ﻋﻧدﻣﺎ ﯾﻘدم ﺷﺧص ﻣﺎ طلباً للحصول على العملية الجراحية. أعتقد أنه لا يوجد ما يكفي من التركيز أو التحرك السياسي حول صحة الأشخاص العابرين والعابرات. منذ وصولي إلى كندا وأنا أصارع من أجل الحصول على ما أحتاجه من العناية الصحية. في كندا... حيث كنت أعتقد أنني سأتنفس الصعداء بعد سنوات من الصراع للبقاء على قيد الحياة. ولكن عندما أرسلت نفسي في رحلة داخل رأسي للنظر في هذه السنة والنصف الماضية، اكتشفت أنني كنت في الواقع أركض باستمرار. أريد أن أجد طريقة للتوقف عن الركض. أريد فقط أن أتنفس. عدت إلى النوم.

أيقظني اتصال آخر. الشرطة. طلبوا مني الذهاب إلى المركز والإدلاء ببيان حول الشكوى التي قدمناها بشأن مضايقات جيراننا خلال هذا العام ونصف الماضي. توقعت أن أشعر بالتوتر أو أي نبذة من المشاعر المزعجة الأخرى بسبب التجارب السيئة التي مررت بها مع الشرطة في بلدان أخرى. إنما بدلاً من التوتر، تهيّأ لي أنني لم أشعر بشيء على الإطلاق. استعديت للمغادرة وذهبت إليهم على الفور. لكن هذه لم تكن المرة الأولى التي أفقد بها الإحساس. عندما أسترجع ذكرياتي، يبدو لي وكأنني وجدت نفسي في هذه الحالة النفسية تكراراً خلال المواقف الصعبة في السنوات الماضية. أدخل فوراً في حالة الدفاع عن النفس. تلقائيا يُسَد الطريق أمام جميع المشاعر. أمام الخوف. أمام الحزن. أمام التوتر. حالة الهدوء قيد التشغيل. حالة الثقة قيد التشغيل. حالة "اللعنة على كل ما سيحدث" قيد التشغيل. أتذكر المرات التي خضعت فيها للضرب. كنت هادئا. إما أسيء الكلام إلى من يضربني أو أذهب إلى مكان آخر في ذهني بانتظار أن ينتهي الضرب. لم أشعر بالحزن. لم أشعر بالغضب. كنت فقط في حالة انتظار. أبقي نفسي على قيد الحياة. يُقال أن هناك دائما طريقة ما للخروج من مأزق. طريقتي للخروج كانت الذهاب إلى مكان آخر في ذهني. المكان الذي أعرفه جيّداً، المكان الذي أملكه أنا والذي لا يمكن لأحد الوصول إليه. المكان الذي يمكنني زيارته بقدر ما أريد وفي أي وقت أريد. أشير دائماً إلى ما حدث لي ك"رحلتي"، لكن الحقيقة هي أنني قمت برحلتين في نفس الوقت. الأولى كانت ما يحدث لي في الواقع والثانية هي كل الأماكن التي زرتها في ذهني. الشواطئ الجميلة التي ركضت عليها. الجبال المرتفعة التي رقصت عليها. رمال الصحارى التي سبحت فيها قدماي.

وصلت إلى مركز الشرطة وانتظرت. استقبلتني المرأة التي اتصلت بي مع ابتسامة وكانت ترتدي بدلة رسمية بدلاً من زي الشرطة. أعتقد أن هذه فكرة جيدة. شعرت من اسم عائلتها وشكلها أنها قد تكون من الشرق الأوسط أيضاً، فقلت لها أنني أفضل التحدث باللغة العربية، فتحدثنا بالعربية. أعتقد أن هذه أول تجربة لي مع الشرطة لم تكن سيئة رغم أنه مع ذلك فقد كانت حالة الدفاع وإيقاف المشاعر قيد التشغيل فقط لوجودي في مركز شرطة.

ذهبت إلى مدرسة القيادة بعد ذلك. في طريقي إلى هناك، تذكرت المكالمة التي أجريتها مع العيادة الجراحية في الصباح، مما جعلني أبتسم. قلت لنفسي أن الأمور باتت تتحسن. سأعيش حياتي بشكل أفضل بعد العملية. لقد تقدمت كثيراً خلال هذا العام. فقد أنجزت الكثير من الأشياء التي أردت إنجازها. وصلت إلى المدرسة بنوع من الطاقة الجيدة. طلبت ورقة إثبات إنجاز الدورة التدريبية التي يجب أن أحصل عليها من المدرسة لأتمكن من إجراء اختبار القيادة. نظرت إلى الورقة التي أعطيت لي. وجدت عليها إسمي القانوني السابق. صُدمت. أخذت أمعن في الورقة، صامتاً. شعرت وكأن كياني مضاد للرصاص ولكنهم، رغم ذلك، تمكنوا من إصابتي. أخبرتهم أنني قد سبق وأبلغتهم بالتغيير القانوني في اسمي، فلماذا تم استخدام إسمي السابق؟ فأجابتني الموظفة أن هذه الورقة الحكومية رسمية ولا يمكن تغييرها. فأجبتها أن هذه الورقة ليست أكثر رسمية من كل بطاقات الهوية التي أملكها. قالت إنني سُجلت في المدرسة تحت إسم الشخص المذكور في هذه الورقة ولا يمكنني تغيير ذلك. قلت لها إن هذا الشخص المذكور هو أنا وكل هذا هو أنا وليسا شخصين منفصلين. أجابت أنه لا يمكن تغيير الإسم. فأجبتها أنه ليس هناك أي شيء في العالم الذي يستحيل تغييره في سبيل تحسين حياة شخص ما. قلت لها أنها لو كانت هي التي تعيش ما أعيشه أنا لكانت فهمت الضرر الذي يلحقه الناس بي باستمرار. قلت لها أنه من حقي أن أجري الامتحان دون الكشف عن وضعي الشخصي للشخص المسؤول عن اختباري. أخبرتها أنني لا أشعر بالأمان ولا يمكنني أن أثق في الشخص الذي سيجري الامتحان، فربما أرسبني لأنه لم يحب ما اكتشفه في هذه الوثائق التي يجب أن أقدمها. نظرت إلي ورفعت كتفيها وكأنها تقول "لا أعرف / هذه ليست مشكلتي". لقد عرفت هذه المرأة لمدة عام. عام وهي تعطيني الدورة التدريبية وجاء هذا السلوك بعد أن انتهيت أخيرا من جميع الدورات. فتساءلت، هل كانت تخفي تعصباً كل هذا الوقت؟ هل أفصحت عن وضعي لأشخاص في المدرسة؟ شعرت فجأة بعدم الأمان وسارعت إلى الخروج من المدرسة بأسرع ما يمكن.

التعامل مع امرأة غير عابرة أعاد لي ذكريات أشخاص آخرين ألحقوا بي الضرر بشكل شبيه أو مختلف. مثل الناس غير العابرين الذين لا يحترمون هويتي الجندرية. أشعر أن الناس غير العابرين الذين يكلمونني بالمؤنث يشعرون بالغضب الشديد عندما لا أسامحهم أو يفضلون عدم التكلم معي. فهم لا يفهمون أو لا يبالون بأنني بذلت جهدي للحفاظ على صحتي النفسية. إنهم لا يدركون أنني لست مسؤولاً عن تقبّل لغطهم بهويتي الجندرية حتى "يعتادوا على" مكالمتي بالمذكر كما يقولون أو لأنهم "لا يقصدون أن يسيؤوا لي". لكنني آسف، لست مضطراً أبداً أن أتقبل هذا التصرف منكم. لا أريد التحدث معكم. لا أريد أن أكون جلسة مجانية لتوعيتكم. لا أملك الوقت لذلك. لا أملك الطاقة. كل ما أريده هو أن أعيش. ذهبت لتناول العشاء مع صديق لي بعد ذلك. لم أتمكن من الابتسام على الإطلاق. حاولت جاهداً أن أدلي بابتسامة عندما طلب مني صديقي ذلك، لأنني أعتقد أن الأشخاص الذين كنا معهم قد ظنّوا أنني أقلل الأدب، فكانت هذه هي المرة الأولى التي أقابلهم فيها. كان من الأفضل لو عدت إلى البيت لكنني رافقت صديقي إلى العشاء لأني أردت التحدث معه بعد ذلك. أعلم كم يريدني الناس أن أخرج من المنزل، وأن أختلط بالناس وأن أتحدث معهم. ولكن في بعض الأحيان أذهب إلى الأماكن التي أعتقد أنها آمنة ثم يأتي شخص ما من حيث لا أدري ويسيء لي ويعرقل مزاجي. مثل الحفلة الغنائية الأخيرة حيث غنيت أغنية وقرروا* شخص أن يتعرفوا إلي ويكلموني بالمؤنث. وبذلت جهدي لأبقي ابتسامة على وجهي حتى نهاية الليل. بذلت جهدي كي أبتسم لأكون لطيفاً مع الناس بينما كل ما أردت أن أفعله هو العودة إلى بيتي، إلى كهفي حيث لا يوجد أحد يستطيع أن يؤذيني أو يتبع جسدي بعينيه. كانت هذه هي المرة الثانية التي يسيؤون لي هذا الشخص بالطريقة نفسها. هذا بعد أن التقيت بهم في حدث سابق حيث بدأوا يصفون تفاصيل أمور خاصة جسدية متعلقة بعابر آخر. يذهلني كم أتعرض للأذى على أيدي المثليين، والمثليات، والعابرين والعابرات. لأن معظم الأشخاص غير عابرين ببساطة، لا يعرفون أو لا يتصورون أنني قد أكون شيئًا غير ما يرونه أمامهم. بينما يختلف الأمر تماماً مع المثليين.

راسلتني مرة امرأة مثلية أعجبتها عبر تطبيق مواعدة (حيث ذكرت في ملفي الشخصي أنني شخصا عابرا) وقد كتبت على صفحتها أنها تبحث عن أشخاص ذوي أجساد أنثوية. إذا كنتم تعتقدون أن لدينا مساحة آمنة بين المثليين، أقترح عليكم التفكير مرة أخرى.

قد ترغبون في أن تحسنوا تصرفاتكم ولكنني لست بحاجة إلى أن أضحي بنفسي وبصحتي من أجلكم.

أيضا، إلى أصدقائي المقربين، تعرفون من أنتم، أحبكم كثيرا.

 

 

النص مأخوذ ومترجم من صفحة "Diary of a Queer Refugee" بعد موافقة الكاتب. نقترح عليكم تصفح الصفحة للمزيد من القراءات التي تتعمق بمواضيع اللجوء للأشخاص الكويريين.

 

* يستخدم ضمير "هم" أحياناً للإشارة إلى شخص ذوي الجندر غير النمطي أو المعياري، ويكون حسب تفضيلهم، ولا يشير هنا إلى الجمع، بل إلى عدم الإنتماء إلى الثنائية الجندرية المفروضة عبر اللغة والمتمثلة ب "هو" و"هي".